إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
316
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
الْبِدْعَةِ بِالضَّلَالَةِ يُفِيدُ مَفْهُومًا ( 1 ) ، وَالْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِ لَمْ تُفِدْ مَفْهُومًا . وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَفْهُومِ عَلَى رَأْيِ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ ( 2 ) ، فَإِنَّ ( 3 ) الدَّلِيلَ دَلَّ عَلَى تَعْطِيلِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، كَمَا دَلَّ دَلِيلُ تَحْرِيمِ الرِّبَا قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ عَلَى تَعْطِيلِ الْمَفْهُومِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً } ( 4 ) ( 5 ) ، وَلِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَازِمَةٌ لِلْبِدْعَةِ ( 6 ) بِإِطْلَاقٍ ، بِالْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، فَلَا مَفْهُومَ أَيْضًا . وَالْجَوَابُ ( 7 ) عَنِ الْإِشْكَالِ الثَّانِي ( 8 ) : أَنَّ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ ، لَا مِنْ قَبِيلِ الْبِدْعَةِ الْمُحْدَثَةِ . وَالْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ قَدْ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، فَهِيَ مِنَ الْأُصُولِ الْفِقْهِيَّةِ الثَّابِتَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ ، وَإِنْ كَانَ فيها خلاف بينهم ( 9 ) ، ولكن لا يعود ( 10 ) ذلك بقدح ( 11 ) على ما نحن فيه .
--> ( 1 ) وهو مفهوم المخالفة ، فإذا كانت البدعة المذمومة هي بدعة الضلالة ، فالبدعة الحسنة ليست بمذمومة ، وسيبين المؤلف بطلان هذا الاستدلال . ( 2 ) والقول بمفهوم المخالفة هو رأي الجمهور بضوابطه ، والأحناف لا يعدونه حجة . انظر : المستصفى للغزالي ( 2 / 42 ) ، والإحكام للآمدي ( 2 / 153 ) ، وإرشاد الفحول للشوكاني ( 178 ) ، أصول الفقه الإسلامي للدكتور وهبة الزحيلي ( 1 / 367 ) ، أصول الفقه للشيخ أبو زهرة ( ص 148 ) . ( 3 ) في ( م ) و ( غ ) : " لأن " . ( 4 ) سورة آل عمران : آية ( 130 ) . ( 5 ) مفهوم المخالفة المنفي عن الآية هو جواز أكل القليل من الربا إذا لم يكن أضعافاً مضاعفة ، وهو مفهوم باطل لأن المراد بتقييد الربا هنا بالأضعاف المضاعفة هو التنفير مما كان يفعله أهل الجاهلية ، من الزيادة على رأس المال ، ومضاعفة هذه الزيادة سنة بعد أخرى . والذي دل على كون القيد للتنفير هو قوله تعالى : { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } سورة البقرة : آية ( 279 ) . انظر : أصول الفقه للدكتور وهبة الزحيلي ( 1 / 372 - 373 ) ، أصول الفقه للشيخ أبو زهرة ( ص 151 - 152 ) . ( 6 ) في ( م ) : " البدعة " . ( 7 ) ساقطة من ( م ) ، وبياض في ( غ ) . ( 8 ) وهو احتجاجهم بأن الصحابة ومن بعدهم قد عملوا بما لم يأت به كتاب ولا سنة ، كجمع القرآن . ( 9 ) انظر هذه المسألة في الباب الثامن ( 2 / 111 - 112 ) . ( 10 ) في ( خ ) و ( ط ) : " يعد " . ( 11 ) في ( م ) و ( خ ) و ( ت ) : " قدح " .